مصطفى صادق الرافعي
117
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
وليت شعري ما هو أمر المعجزة في العقل ، إن لم يكن هذا من أمره ؟ « ذلك بأن اللّه هو الحق وأنّ ما يدعون من دونه هو الباطل ، وأنّ اللّه هو العلي الكبير » . التحدي والمعارضة : كان العرب قد بالغوا لعهد القرآن مبلغهم من تهذيب اللغة ومن كمال الفطرة ، ومن دقة الحسن البياني ، حتى أوشكوا أن يصيروا في هذا المعنى قبيلا واحدا باجتماعهم على بلاغة الكلمة وفصاحة المنطق ، وأنهم لأول دعوة « 1 » من بلغائهم وفصحائهم ، مع تباعد ديارهم بعضهم عن بعض ، وتعاديهم واختلافهم في غير هذا الحسّ باختلاف قبائلهم ومعايشهم ، لأن الكلام هو يدفعهم إلى المنافرة ، ويبعثهم على المفاخرة ، وما كان الكلام صناعة قوم إلا أصبتهم معه كالجمل المؤلّفة يرد بعضها بعضا ويدور بعضها على بعض ، فيكون كل فرد منهم كأنه لفظ حي ، وكأن معنى حياته في الألفاظ وفيه معا .
--> حوادثه ويتدبر آثار القرآن في قبائل العرب يرَ أن شدة الإيمان كانت عند شدة الفصاحة ، وأن خلوص الضمائر كان يتبع خلوص اللغة ، وأن القائمين بهذا الدين والذين أفاضوه وصرفوا إليه جمهور العرب وقاتلوهم عليه وجمعوا ألفتهم وقوموا أودهم إنما كانوا أهل الفصاحة الخالصة من قريش إلى سرة البادية ، وأن الفتن إنما استطارت في الجزيرة استطارة الحريق فيمن وراء هؤلاء إلى أطراف اليمن ، فكانوا قوما مدخولين منقوصين ، وما كان ضعف اعتقادهم إلا في وزن الضعف من لغتهم . وقد أسلفنا في غير هذا الموضع أن غربة الدين ما تزال تتبع غربة العربية . ولما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان عمرو بن العاص بعمان ، فأقبل منها إلى المدينة يخترق بلاد العرب ، فأطافت به قريش وسألوه . فقال لهم : إن العساكر معسكرة من دبا ( سوق بعمان ) إلى حيث انتهيت إليكم . فتفرقوا حلقا . ومر عمر ابن الخطاب بجماعة منهم فسألهم : أفيم أنتم ؟ فلم يجيبوه ! فقال : أظن قلتم : ما أخوفنا على قريش من العرب ! قالوا : صدقت ! قال : فلا تخافوا هذه المنزلة ! أنا واللّه منكم على العرب أخوف مني من العرب عليكم ، واللّه لو تدخلون معاشر قريش حجرا لدخلته العرب في آثاركم . ا ه - . وحسبك من أثر القرآن في العرب الفصحاء وصوغ فطرتهم وتصريفها ، أن أحدهم كان إذا اتهم في بعض أخلاقه لم ينكر ذلك بأشد من قوله : بئس حامل القرآن أنا إذن . ولما أعطي سالم مولى أبي حذيفة راية المسلمين يوم قتال مسيلمة الكذاب وكان من أشد الأيام وأعظمها نكاية ، قال لأصحابه : ما أعلمني لأي شيء أعطيتمونيها ، قلتم : صاحب قرآن وسيثبت كما ثبت صاحبها قبله حتى مات ! قالوا : أجل ، وانظر كيف تكون ! قال : بئس واللّه حامل القرآن أنا إن لم أثبت ! فتأمل ، وكان صاحب الراية قبله عبد اللّه بن حفص . وفي هذه الوقعة صاح أبو حذيفة ، وقد اضطرب المسلمين : يا أهل القرآن ، زينوا القرآن بالفعال ! ثم حمل على القوم فحازهم حتى أنفذهم . ولو أن هذا المعنى من غرض كتابنا لبسطناه بسطا ، ولكن القول فيه يتسع مما يخرجنا إلى تاريخ الإسلام وفلسفة آدابه ومعانيه الاجتماعية . وهي أغراض إنما نلم بها إلماما في هذا الكتاب كما عرفت . ( 1 ) هذا التعبير كالذي يقال له اليوم : « مستعد ، أو رهين الإشارة » .